اضطراب الشخصية الدرامية: أسبابه وطرق علاجه
تُعد اضطرابات الشخصية من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا، لأنها لا تقتصر على أعراض مؤقتة، بل تتجسد في أنماط ثابتة من التفكير والشعور والسلوك تمتد عبر سنوات طويلة من حياة الفرد. ومن بين هذه الاضطرابات يبرز اضطراب الشخصية الدرامية، المعروف أيضًا باسم اضطراب الشخصية الهستيرية، كأحد الاضطرابات التي تتسم بالمبالغة الانفعالية، والحاجة المفرطة للاهتمام، والسعي المستمر لجذب انتباه الآخرين. قد يبدو الشخص المصاب بهذا الاضطراب اجتماعيًا، حيويًا، ومعبّرًا عن مشاعره، إلا أن هذه السمات تخفي في كثير من الأحيان معاناة نفسية عميقة، وصعوبة في بناء علاقات مستقرة ومتوازنة.
مفهوم اضطراب الشخصية الدرامية
اضطراب الشخصية الدرامية[1] هو اضطراب نفسي يُصنَّف ضمن اضطرابات الشخصية من المجموعة الثانية، ويتميز بنمط دائم من السلوك العاطفي المفرط، والحاجة المستمرة لأن يكون الشخص محور الاهتمام. يبدأ هذا النمط عادة في أواخر مرحلة المراهقة أو بداية البلوغ، ويستمر عبر مختلف المواقف الحياتية.
يشعر المصاب بعدم الارتياح أو القلق عندما لا يكون محط الأنظار، ويميل إلى التعبير عن مشاعره بشكل مبالغ فيه، وسريع التغير، وسطحي في عمقه. غالبًا ما تكون صورة الذات لدى المصاب مرتبطة بمدى قبول الآخرين له، مما يجعله حساسًا للنقد أو التجاهل. لا يُعد اضطراب الشخصية الدرامية مجرد حب للظهور أو الانفتاح الاجتماعي، بل هو نمط نفسي يؤثر على استقرار العلاقات، والقدرة على اتخاذ قرارات واقعية، وعلى التنظيم الانفعالي الداخلي للفرد.
أعراض اضطراب الشخصية الدرامية
تظهر أعراض اضطراب الشخصية الدرامية [2] في صورة مجموعة من السلوكيات والانفعالات التي تتسم بالوضوح والاستمرارية. يميل المصاب إلى لفت الانتباه باستمرار، سواء من خلال المظهر الخارجي، أو طريقة الحديث، أو السلوك الانفعالي. يشعر بعدم الراحة الشديدة عندما لا يكون محور الاهتمام، وقد يلجأ إلى المبالغة في التعبير عن المشاعر، أو استخدام لغة جسدية لافتة، أو سرد قصص بطريقة درامية. تتسم مشاعره بالتقلب السريع، حيث ينتقل من الحماس الشديد إلى الإحباط خلال وقت قصير.
غالبًا ما تكون علاقاته سطحية، رغم كثرتها، ويواجه صعوبة في الحفاظ على علاقات طويلة الأمد مستقرة. قد يُظهر الشخص قابلية عالية للتأثر بآراء الآخرين، وسهولة في تغيير المواقف والمعتقدات حسب السياق الاجتماعي. كما يميل إلى تفسير العلاقات على أنها أكثر حميمية مما هي عليه في الواقع، ويعاني من حساسية مفرطة تجاه الرفض أو التجاهل، ما قد يؤدي إلى نوبات من القلق أو الحزن أو الغضب.
أسباب اضطراب الشخصية الدرامية
ينتج اضطراب الشخصية الدرامية عن تفاعل معقد بين عوامل نفسية وبيئية ووراثية، ولا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد محدد، ومن أبرز العوامل المرتبطة به:
- أساليب التنشئة التي تعتمد على الاهتمام المشروط
- المبالغة في المدح أو النقد خلال الطفولة
- نقص الاستقرار العاطفي في البيئة الأسرية
- التعرض للإهمال العاطفي أو التذبذب في الرعاية
- نماذج أسرية تتسم بالدرامية أو السلوك الانفعالي
- صدمات نفسية مبكرة
- الحاجة غير المشبعة للاعتراف والتقدير
- ضعف بناء الهوية الذاتية
- عوامل وراثية تؤثر على السمات الشخصية
- التأثيرات الثقافية التي تعزز المظهر والقبول الاجتماعي
أنماط اضطراب الشخصية الدرامية
رغم أن اضطراب الشخصية الدرامية يُشخّص ككيان واحد، إلا أن مظاهره قد تختلف من شخص لآخر، ويمكن تمييز عدة أنماط أو أشكال سلوكية شائعة، منها:
- النمط الاجتماعي الاستعراضي
- النمط العاطفي المتقلب
- النمط المعتمد على القبول الخارجي
- النمط الإغوائي أو الجاذب للانتباه
- النمط الميال للمبالغة الدرامية
- النمط المرتبط بالقلق من الرفض
- النمط المصحوب بانخفاض تقدير الذات
طرق تشخيص اضطراب الشخصية الدرامية
يعتمد تشخيص اضطراب الشخصية الدرامية على تقييم نفسي إكلينيكي شامل، يقوم به مختص في الصحة النفسية. يبدأ التشخيص بأخذ تاريخ نفسي مفصل يشمل أنماط السلوك والعلاقات والانفعالات عبر مراحل الحياة المختلفة، مع التركيز على مدى ثبات هذه الأنماط وتأثيرها على الأداء الاجتماعي والمهني. يتم تقييم طريقة التعبير العاطفي، والحاجة للاهتمام، وطبيعة العلاقات الشخصية.
كما يُراعى استبعاد الاضطرابات النفسية الأخرى التي قد تتشابه في بعض الأعراض، مثل اضطراب الشخصية الحدّية أو اضطرابات المزاج. يستخدم الأخصائي أدوات تشخيصية ومقاييس نفسية معيارية، إلى جانب المقابلات السريرية، للوصول إلى تشخيص دقيق. الهدف من التشخيص ليس وضع تصنيف فقط، بل فهم ديناميكيات الشخصية وتحديد أفضل مسار علاجي.
مقال ذو صلة: اضطراب الشخصية الانفصامية: أسبابه وطرق علاجه
طرق علاج اضطراب الشخصية الدرامية
يركّز علاج اضطراب الشخصية الدرامية[3] على مساعدة الفرد في تطوير وعي أعمق بذاته، وتنظيم انفعالاته، وبناء علاقات أكثر استقرارًا، ومن أبرز أساليب العلاج المستخدمة:
- العلاج النفسي طويل الأمد
- العلاج المعرفي السلوكي
- العلاج النفسي الديناميكي
- تدريب مهارات التنظيم العاطفي
- تعزيز الاستقلالية وتقدير الذات
- علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة
- العلاج الجماعي
- الإرشاد النفسي الأسري
- العلاج الدوائي عند الحاجة
- المتابعة النفسية المستمرة
طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الدرامية
تبدأ الوقاية من اضطراب الشخصية الدرامية منذ الطفولة، من خلال توفير بيئة أسرية مستقرة ومتوازنة عاطفيًا. يساعد الاهتمام غير المشروط، ووضع حدود واضحة، وتعليم الطفل التعبير الصحي عن مشاعره دون مبالغة أو قمع، في بناء شخصية متزنة.
في المراحل اللاحقة من الحياة، يساهم تعزيز الوعي الذاتي، وتعلّم مهارات التنظيم الانفعالي، وبناء تقدير ذاتي قائم على القيم الداخلية وليس فقط على القبول الخارجي، في تقليل احتمالية تطور السمات الدرامية إلى اضطراب.
كما أن طلب الدعم النفسي المبكر عند مواجهة صعوبات في العلاقات أو التحكم في الانفعالات يلعب دورًا مهمًا في الوقاية. الوعي المجتمعي بطبيعة اضطرابات الشخصية يساعد أيضًا في خلق بيئة داعمة تقلل من الوصمة وتُشجّع على العلاج.
في الختام
اضطراب الشخصية الدرامية ليس مجرد حب للظهور أو المبالغة في التعبير، بل هو نمط نفسي عميق يرتبط بالحاجة إلى القبول والشعور بالقيمة الذاتية. قد يبدو المصاب بهذا الاضطراب واثقًا أو اجتماعيًا، إلا أن داخله غالبًا ما يحمل صراعًا نفسيًا مرتبطًا بالخوف من التجاهل أو الرفض. الفهم العلمي لهذا الاضطراب يفتح الباب أمام التعاطف بدل الحكم، والعلاج بدل الإهمال.
من خلال العلاج النفسي والدعم المناسب، يمكن للشخص المصاب أن يطوّر طرقًا أكثر صحة للتعبير عن ذاته وبناء علاقات متوازنة. إن الوعي، والتدخل المبكر، والرعاية النفسية المتخصصة تمثل مفاتيح أساسية لتحسين جودة الحياة، وتحقيق التوازن النفسي، والعيش بوعي ورضا أكبر.
لا يوجد تعليقات .